أرشيف التصنيف: قصص

الهامور شفاعت (الجزء الأول)

الهامور .. نوع من السمك معروف عندنا في الخليج، ويُشهد له بالتميز وربما لا يعرف الأجانب والأشقاء المقيمين في البلد من أسماكنا غير هذا النوع نظراً لأنه الطبق المفضل في المطاعم بمستوياتها وفي الفنادق أيضاً.  ونظراً لهذا التميز فإن المجتمع الخليجي بشكل عام يطلق لقب “الهامور” على الشخص المميز الذي يتمتع بالثراء أو المنصب .. ويطلق على فئة الأغنياء والمتنفذين عموماً لقب “الهوامير”.  تلك هي قصة الهامور بشكلها العام. أما قصتنا اليوم فبطلها أحد هؤلاء، رغم أنه ليس من أهل المناصب ولا متنفذاً لا يرد له طلب وليس ابن هامور كبير ولا ينتمي من قريب أو بعيد إلى فئة الهوامير .. !!! إنه هامور من الطبقة العاملة.. بواب أحد العمارات في دبي ..!!!



العمارات في دبي كما في غيرها .. مجتمع متكامل يحتل البواب فيه دور المحور .. فهو الملك الغير متوج .. وذلك لأهميته في إنجاز بعض الأمور الصغيرة جداً أو الكبيرة جداً في حياة السكان …كمتابعة النظافة العامة، والأجهزة المتعطلة، والمساعدة في نقل البقالة، وغسيل السيارات وخدمات أخرى… مقابل كلمة طيبة أودعاء أو مبلغ زهيد.  وفي ذلك المجتمع الصغير كان لقائي به.. فقد كنت في زيارة لأحد الأصدقاء واستوقفني مازحاً ومسلماً بنبره واثقة متفائلة:”سلام أليكم أربااااااب” (الأرباب كلمة يطلقها العمال الهنود والباكستانيون على رب العمل وأحياناً على أي مواطن إماراتي تبدو عليه علامات الاحترام) وطبعاً رددت السلام ولكن ليس بمثله !! وبادرني بسؤال ودّي يدل على عمق علاقته بصديقي ساكن تلك العمارة ..
– انت صديق مال سعيد ؟؟
ولوهلة شعرت أن شفاعت -وهذا هو اسمه- هو المدير الفعلي لتلك العمارة.  وأجبته ووجهي تعلوه التساؤلات: هيه (أي نعم).
لم يزد شفاعت على ابتسامة دافئة وعاد لغرفته بهدوء وثقة أعادت إلي ذكرى الفنان الراحل أحمد زكي في فيلم “البيه البواب” حيث يتحول من مجرد حارس بسيط إلى المتحكم بمصائر الساكنين في العمارة بل وتاجراً مضارباً في مجال الأراضي .. وماذا عن شفاعت؟

لم تختلف قصة شفاعت عن قصة “البيه البواب” في مضمونها من حيث الطموح.. جاء إلى دبي مطلع الثمانينات ليعمل حارساً وخادماً في إحدى المزارع مقابل راتب غير مجز يساوي 500 درهم فقط. وكانت المزرعة في منطقة بعيدة عن دبي ويأتي إليها أصحابها بين فترة وأخرى. ولم يكن مع شفاعت في تلك المزرعة النائية إلا مساعده المزارع، وهذه هي المهمة القيادية الأولى لشفاعت.

كان ذلك الراتب بمثابة طوق النجاة لشفاعت وأسرته الصغيرة المكونه من ثلاثة أطفال وأخيه الأصغر (15 سنة) الذي تقطعت به السبل بعد وفاة والديه فلم يجد ألا حضن شفاعت وأسرته الصغيرة التي بالكاد تظفر بوجبة واحدة طوال اليوم. أما مع ذلك الراتب فقد تحول الأمر إلى ما يشبه الانتقال من الفقر إلى درجة لا بأس بها من الغنى!! غنى ساعده في بناء حياته وحياة أخيه بطريقة لم يفعلها بعض كبار الموظفين.

بعد أن أثبت شفاعت إخلاصه في عمله وبفضل حصوله على رخصة قيادة السيارات –التي تعتبر شهادة مهمة في حياة العامل البسيط في دولة الإمارات- استلم عدة مهام خاصه بالأرباب منها تخليص بعض المعاملات في الدوائر الحكومية ودفع الفواتير أضف إلى ذلك تحسن لغته الأوردو/عربية والتي لا تخلو من بعض المصطلحات المصرية!! مما جعله مؤهلاً لعمل دور المساعد والناصح الأمين حول المزرعة وشؤونها. وهذا الدور الجديد يعني الكثير من المهام والمكافآت أيضاً.

كانت تلك الهبات تتحول بدورها إلى الوطن وتسهم في رفع المستوى المعيشي للأسرة هناك بالإضافة إلى تعليم أخيه الذي طالما حلمت العائلة أن ترسله إلى بريطانيا للدراسة. وبتوفيق الله استطاع محمد أن يصل إلى هناك محققاً أملاً عائلياً كان عالم المستحيلات. استغل محمد الفرصة أحسن استغلال فأخذ ينتقل من نجاح إلى نجاح في في دراسته الجامعية (بفضل شفاعت) حيث تخصص في إدارة الأعمال وحصل على مرتبة الشرف ولكنه لم يرغب في مواصلة الرحلة الأكاديمية حتى الحصول على الدكتوراه وفضل البحث عن فرصة لعمل تجاري صغير. أما شفاعت، فقد زادت مكانته وتقديره عند رب عمله حتى عينه كسائق خصوصي للعائلة وياله من قرب ويالها من مكانة بالنسبة لعامل بسيط بدأ حياته العملية في مزرعة نائية.

عقد الامتياز

جمعني حديث ودي مع أحد الأصدقاء .. وكان حديثاً مطولاً عن المشاريع التجارية وقصص النجاح العادية منها حيناً والمبالغ فيها أحياناً. الحديث هو ذات الحديث الممل الذي يجمعني بالكثير ممن يرغبون في التجارة واكتساح السوق ولكن دون أن يغادروا دائرة الراحة التي ينعمون بها في أحضان الخوف من التغيير متصورين أن العمل بنجاح في السوق هو عبارة عن آمال عريضة يغذيها بعض الغرور!!.

أصر صاحبي (وهي ليست أول مرة) على أن هذه المرة “غير” المرات السابقة فهو الآن عاقد العزم على أن يكافح بجد واجتهاد في سبيل أن يكون تاجراً مرموقاً يشار إليه بالبنان. وليؤكد هذا “التغيير” في موقفه التجاري. أخذني في رحلة ليلية بسيارته التي يقارب ثمنها النصف مليون درهم وهناك أسر إلي بهذا السر الخطير عبر هذا الحوار …….



هو: فيصل، أريد أن أفتح فرعاً لمطعم كنتاكي في هذه المنطقة…

قلت: تقصد سسلسة مطاعم كنتاكي أو KFC ؟؟!!

هو: ايوه ايوه .. KFC أشوفه ماشي وعليه إقبال وبصراحة أريد أجرب حظي … والفلوس موجودة!!

أجبته: طيب ولكن هذا يحتاج أن تكون “فرانشايزي” والقصة طويلة نظراً لوجود شركة حاصلة على “الفرانشايز” في هذه المنطقة.

هو: ممم “فرانشــ .. شو ؟؟!!

أعدت: “فرانشايز”

هو: كيف يعني (أي ماذا يعني هذا الكلام) ؟؟!!

عندما هممت بالإجابة تذكرت مبدأ أحب أن أسير عليه في النقاش حول المشاريع .. لا تجعل الاحباط يتسلل إلى الحوار .. مهما كان الجهل بالموضوع وقلة المعلومات أردت أن يكون الرد إيجابياً غير جارح وغير صادم وغير مثبط .. فقلت له نلتقي غداً وسوف أشرح لك الموضوع بالتفصيل (حسب ما أعرفه طبعاً)!!

وبما أن هذه المدونة انعكاس لكل أمر عام قد يهم الجميع من الناحية الإيجابية فقد قررت أن أشرككم في هذا الموضوع والتعرف على “الفرانشايز” أو عقد الامتياز.. وإن كنتم على علم فلابأس بمساهمتكم في تصحيح ما يرد من أخطاء أو في إثراء الموضوع من خلال علمكم أو تجاربكم.

ماهو الفرانشايز أو عقد الامتياز؟

هوعقد بين طرفين مستقلين قانونيا يقوم بمقتضاه أحد طرفيه والذي يطلق عليه مانح الامتياز ، بمنح الطرف الأخر والذي يطلق عليه ممنوح الامتياز الموافقة على استخدام حق أو أكثر من حقوق الملكية الفكرية والصناعية أو المعرفة الفنية لإنتاج سلعة أو توزيع منتجاته أو خدماته تحت العلامة التجارية التي ينتجها أو يستخدمها مانح الامتياز ووفقا لتعليماته وتحت إشرافه حصريا في منطقة جغرافية محددة ولفترة زمنية محددة مع التزامه بتقديم المساعدة الفنية وذلك مقابل مادي أو الحصول على مزايا أو مصالح اقتصادية.

مثال: شركة أمريكانا مالكة حق الامتياز لشركة KFC .. كما يسميها الناس “دجاج كنتاكي”

Franchisor:

المانح: مانح الامتياز هو شركة KFC أو “دجاج كنتاكي” في هذا المثال.

: Franchisee

الممنوح: والممنوح للامتياز هو شركة أمريكانا في هذا المثال.

نوعية حقوق الامتياز :

امتياز التوزيع. يقوم الممنوح بتوزيع منتجات المانح ببساطة من خلال عقد الامتياز ويقوم الممنوح باستعمال الاسم التجاري للمانح. ولكن لا يشترط فيه تشابه المظهر العام للشركة الموزعة (الممنوحة) وعملياتها وطريقة إدارتها مع الشركة المانحة. من الأمثلة على ذلك شركات توزيع المشروبات الغازية مثل بيبسي وسفن أب وغيرها.

امتياز المظهر العام لمكان الخدمة وطريقة الخدمة والتسويق والتوزيع بالإضافة إلى الشكل الخارجي والداخلي وملابس الموظفين ونوعية التغليف .. وببساطة كل شيء. وهذه هي طريقة الامتياز الشائعة وامثلتها كثيرة مثل ستاربكس وكنتاكي وصب واي وبيتزا هت.

امتياز وحدة العمل: حيث تقوم الشركة المانحة بالسماح للشركة الممنوحة بتشغيل وحدة واحدة فقط في منطقة محددة. مثال: أن تعطي شركة باسكن روبنز الحق لشركة ما بافتتاح محل واحد فقط ضمن منطقة محددة.

الامتياز المتعدد: حيث يحق للشركة الممنوحة أن تفتح أكثر من فرع في منطقة معينة أو أن تقوم بإعادة بيع حقوق الامتياز لشركات أخرى.

مزايا حقوق الامتياز:

تتوزع المزايا على كل من الشركة المانحة والشركة الممنوحة..

أما الشركة المانحة: فتتمتع بزيادة انتشار علامتها التجارية ونموذج أعمالها حول العالم وبالتالي ترتفع قيمة علامتها التجارية وبالتالي حجمها في السوق.

أما الشركة الممنوحة: فيمكن لها ان تبدأ الدخول إلى عالم الأعمال بدعم قوي من شركة محترفة لإنتاج منتج معين أو خدمة معينة. وبالتالي تتمتع الشركة الممنوحة بالتدريبات اللازمة وطرق التسويق ومتابعة الحسابات والموارد البشرية وغيرها بدون الوقوع في شبكة المحاولة والخطأ. حيث أنها تعمل على نموذج معروف مسبقاً وناجح.

عيوب حقوق الامتياز:

قد تكون تكاليف عقد الامتياز كبيرة على الشركات الناشئة وبالتالي لا يكون لديها فرصة في تحقيق هامش ربح مرتفع. فبعض عقود الامتياز قد تكلف ما يزيد على 500000 دولار.

من ناحية أخرى قد تتعرض لأزمة حقيقية لو حدث للشركة المانحة أمر كبير كالإفلاس مثلاً.

الحصول على فرص الامتياز:

هناك الكثير من المصادر التي يمكن البحث فيها عن أحد عقود الإمتياز، أذكر على سبيل المثال..

المنظمة العالمية للامتياز IFA.

موقع حقوق الامتياز.

معارض فرص الامتياز (يوجد معرض سنوي في دبي لشركات الامتياز وهناك تتواجد شركات متنوعة الانشطة من عدة دول وهي فرصة ممتازة برأيي وأنا شخصيا مواظب على حضور ذلك المعرض، وأعتقد أن هناك معارض مماثلة في كل من الرياض والقاهرة).

الرجوع إلى الدوائر المختصة بالتجارة، مثل الغرف التجارية، أو دوائر التنمية الاقتصادية، أو البلديات (على حسب النظام المتبع في بلدك).

وبما أني بدأت بحكاية الصديق الذي أراد أن يفتتح فرعاً لمطعم KFC فسأخبركم بتتمة الحوار.

بعدما تحدثت معه بكل ما سبق وأكثر من ذلك طلب مني مراسلة الشركة لمعرفة موقفها من هذا الطلب. وفي الحقيقة كانت تجربة شخصية بالنسبة لي بأن أعرف أبعاد الموضوع أكثر خصوصاً أني لم أجرب التواصل كطالب لحق الامتياز. بدأت التجربة بالدخول إلى موقع حقوق الامتياز وبحثت عن التالي KFC Franchise. وكانت النتيجة أنه لا توجد فرصة لحق الامتياز في المنطقة التي يريدها صديقي المستثمر. و بالمقابل كانت فرصة أخرى وهي شركة تابعة لــ KFC تسمى YUM! بمقابل 360000 دولار.

استمع صاحبي إلى كل هذه المعلومات باهتمام واستغراب وصدمة .. وهز رأسه متصنعاً الفهم والحكمة وقال بكل ثقة: “مممم زين … بنشوف” [أي سأفكر في الموضوع]. وانتهى الحوار ومعه فكرة المشروع كله على هذه الجملة.

سارق الخراف

في إحدى القرى الصغيرة نشأ ولدان عرف الولدان بالشقاوة واختلاق المشاكل لأهالي القرية وخصوصاً المزارعين إلى أن جاء يوم اختفت بعض الخراف من أحد المزارعين وهم الجميع بالبحث إلى أن توصلوا للقبض على الولدين وقاما بالاعتراف بسرقة الخراف اجتمع أهل القرية للتباحث عن كيفية عقاب هذين الولدين وأخيراً توصلوا إلى عقاب يجعل التهمة ملتصقة بهما إلى أطول فترة ممكنة حتى يكسروا حدة شغبهم وبحثهم عن المشاكل.. … فقاموا بوشم جبهة الولدين بالحرفين (س) و (خ) إشارة إلى سارق الخراف أصاب الولدان هم كبير فقد أصبحا يعرفان بسارقي الخراف في قريتهما الصغيرة… وأصبحا مثاراً للسخرية في كل مكان ذهبا إليه. وأخيراً قرر أحدهما أن يهاجر ويترك القرية بحثاً عن الهدوء والسكينة … أما الآخر ففضل البقاء واحتمال ما يعانيه من أهل القرية.وقد اعتكف في بيته ولم يخرج كثراً على الملأ. مرت الأيام وكبر الولدان وتقدمت بهما السن .. فأما الذي في القرية فقد توفي ..

ولم يعرف قصته أحد من الجيل الجديد وأما الأخ الثاني فقد عاش في بلاد بعيدة وحسن خلقه وأصبح صالحاً … وقرر ذات اليوم العودة إلى قريته رغم خوفه من ذلك الوشم على جبهته. عندما دخل القرية لم يعرفه أحد فقد مرت السنوات وطمست قصته ولم يعد لها وجود إلا في هذيان كبار السن !!! خالط هذا الرجل أبناء القرية من الجيل الجديد وتودد إليهم فأحبهم وأحبوه وكانوا يقيمونه في مقام المعلم والمربي .. وذلك لكبر سنه وحكمته. إلا أن الوشم الذي على جبهته أخذ حيزاً من اهتمام من حوله .. ولكن أحداً منهم لم يجرؤ على السؤال. وفي ذات يوم فزعت القرية لوفاة ذلك هذا الرجل صاحب الوشم على جبهنه. وراح كل من في القرية يترحم عليه وتردد حينها ذلك السؤال لدى الناس .. ففي أحد المجالس سأل أخد الصغار كبار السن عن سبب وجود الوشم (س خ) على جبهة العبد الصالح … فتردد أحد حكماء القرية في الجواب (لأنه من القلائل الذين يعرفون السر) ولكنه واجه إصراراً كبير من الحضور على معرفة الجواب. وقف ذلك الشيخ وعم الهدوء واتجهت الأنظار نحوه … فلم يطل الانتظار وقال .. حسناً أيها الحضور “لا ندري سبب ما هو معنى ذلك الوشم … ولكن الكثيرين اتفقوا على أنه يشر ألى كلمتين ….. ساع للخير” ——- كيف تحول سارق الخراف إلى ساع للخير … التغيير .. التغيرر للأصلح مهما كان ماضينا ومهما كان يقول الناس عنا .. نحن أساس التغيير .. وإذا لم نشأ لأنفسنا التغيير فلن نتغير أبداً حتى لو وضعت مفاتيح النجاح في أيدينا ..

كمبيوتر صخر

في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي ، كان مفهوم الكمبيوتر لدى عامة الشعب هو مجرد فكرة كبيرة جداً لا يملكها إلا أصحاب النفوذ والعباقرة، وكان يعتبر امتلاك جهاز كمبيوتر شخصي شيئاً بعيد المنال في ظل تعقيده ووزنه وسعره الذي تتآلف فيه مجموعة غير قليلة من آلاف الدراهم … تبلغ العشرة أو يزيد ..
في تلك الأيام كنت في المرحلة الاعدادية أي في الصف الثامن، وقد لفت انتباهنا منتج رشيق ذكي جذاب، تتحقق فيه طموحات كل من ينتمي إلى عالم الكمبيوتر في تلك الأيام – مع العلم أن علاقتي بالكمبيوتر يومها لم تكن إلا من خلال الورق أو الكتب التي أقتنصها بين حين وآخر من مكتبة الاندلس – أعرق المكتبات في مدينتنا والتي ما تزال تواصل دورها مع مرور الأيام.
أعود إلى ذلك المنتج، وكان يسمى صخر، وهو احد منتجات شركة العالمية الكويتية التي كان لها السبق في تذليل عقبات اللغة والاستخدام للمستخدم العربي الصغير والكبير ..

“صخر .. صخر كمبيوتر …
ألعاب مسلية .. كمبيوتر صخر ..
كمبيوتر شخصي لك وليّا …

ويبقى صخر”

هذا ما أذكره من ذلك الإعلان التجاري الذي يظهر في شاشات التلفاز، فيحرمني من لذة الغداء وما يعقبه من حلويات ومشروبات غازية وغيرها .. فبعد ذلك الاعلان أشعر كأن أحدا قد عزف على وتر حساس في نفسي … أريد ذلك الكمبيوتر… أريد ان أصرخ بهذا الطلب في وجه الجميع وخصوصاً والدي الذي يأبى الانصياع لمثل تلك الأمور الترفيهية التي لا طائل منها!! لذلك كتمت تلك الرغبة الجامحة إلى أن علم أحد إخوتي .. وبدأ على الفور بالنقاش حول هذا الجهاز ..

.. انته ما عندك جهاز أتاري وعندك بدل اللعبة 50 لعبة ؟؟؟..
.. هيه بس هذا كمبيوتر ..!!!
.. وبحكمة مصطنعة يرد علي: انزين كله نفس الشي انته الحين ليش تبا صخر ..؟؟!!
.. أرد بانكسار: عشان فيه ألعاب حلوة .
.. يعني نفس الأتاري .. خلك من هالسوالف وانا بييب لك عشرين لعبة أتاري جديدة ..
انتهى الحوار مع العلم ان العشرين لعبة هي في شريط واحد فقط (كاتردج) ومن بين العشرين 18 لعبة منها مملة او غير مفهومة 

مضى وقت غير قليل من بعد وقف عرض ذلك الاعلان ولكن لم تتوقف رغبتي عن امتلاك ذلك الجهاز .. فعدت إلى مركز المعلومات الخاص بي – مكتبة الاندلس – وبدأت أسأل عن كمبيوتر صخر وهل يوجد كتب تتحدث عنه، وعرفت ان الجهاز فيه أشياء أغلبها لم أسمع عنها ولكنها أدخلت في نفسي شعوراً بالنشوة وبالتفاؤل ان هذا الجهاز غيير … وهو بالتأكيد ليس أتاري 

حدث في يوم أن أحد أصدقائي المدللين اشترى ذلك الجهاز ومن يومها أصبحت أكثر صداقة معه (أو مع الجهاز ) حيث كنت أقضي أغلب اليوم في بيته .. وهناك تعرفت على أقسام برامج صخر

• التقويم .. يحول بين الهجري والميلادي وفيه معلومات عن المناسبات الوطنية والدينية وتاريخها…
• الكتابة .. بالعربي والانجليزي .. كان محرراً بدائياً جداً يطلق صوتاً حاداً مع إدخال كل حرف ..
• الرسام .. استطعت بعد فترة من التمرن عليه أن أرسم علم الدولة .. وبعض الدوائر والمثلثات .. وكنت أفرح بكل رسمة انجزها ..أكثر من فرحة بيكاسو بانهاء إحدى لوحاته 
• الألعاب .. وهو الشيء الوحيد الذي كنت أعرفه وكان هناك فرق واضح في الصوت والصورة بين ماكان لدينا في الاتاري وبين ما رايته رأي العين من كمبيوتر صخر .. وأذكر منها لعبة لعبة “نايت مير و انديانا جونز” من شركة كونامي المعروفة.

• البرمجة، وهذا الشيء بالذات أوقعني في حيرة من أمري ولم استطع ان اعمل فيه شيئاً أبداً في تلك الفترة.. واعتبرته نوعاً من الخرابيط التي يجب الابتعاد عنها …

بعد رحلة ممتعة مع صخر في بيت صديقي المدلل، أصبحت ضيفاً ثقيل الظل على ذلك الصديق .. الذي لا يعرف شيئاً عن صخر، ويبدو ذلك واضحاً من اتساع عينيه ببلاهة طبيعية جداً عندما ادخل مختلف اجزاء صخر  .. ولكن بما أنه المالك فقد كان له الحق في إهمال صخر وشراء دراجة نارية، أخذته إلى العالم الخارجي أكثر من الجلوس في البيت وأخذتني أنا بعيدا عن عالم جميل كان كالحلم ..

لم يكن أمامي بعد تلك الانتكاسة إلا العودة إلى الطلب من جديد، ولكن هذه المرة الوضع مختلف … فقد أنهيت تلك السنة متفوقاً على الصف، وجمعت معلومات كثيرة عن صخر كان يعجب بها كل من يسمعها، ويتسائلون كيف حصلت عليها … وكان هذا هو الباب الذي اقنع أخي بذلك الجهاز.

في اليوم الموعود لم أتغدى وأوقفت كل الأنشطة اليومية، وحانت ساعة التحرك إلى المركز التجاري، حيث كان الجهاز يباع لدى محلات اليوسف للكمبيوتر. كان الطريق إلى المحل سريعاً جداً لم أشعر بنفسي إلا وأنا في الممر المؤدي للمحل، ولمحت جهاز صخر بعلبته الزرقاء المتقنه على واجهة المحل، وكم كانت فرحتي لمجرد رؤيته .. ولشدة اللهفة كانت اجراءات الشراء سريعة ..

تحقق الحلم وأصبح صخر أحد أفراد الأسرة  ، دخلت البيت ذلك اليوم دخول المنتصرين، وكان أول ما فعلته هو تجهيز مكان العمل .. التلفزيون الأبيض ذو ال12 بوصة، طاولة الدراسة تحولت إلى طاولة صخر، وبالاضافة إلى التوصيلات الكهربائية المطلوبة التي كنت جهزتها مسبقاً.

بدأت رحلتي مع صخر، ومع أجزائه التي ذكرتها من قبل. وحللت لغز البرمجة بعد ان اشتريت كتاباً للبرمجة بلغة بيسك، وكم كنت سعيداً بمشاهدة الكلام العادي يتحول إلى كرة ملونه تتناوب فيها الوان الطيف، او إلى صوت يعزف ألحاناً مفضلة .. كان عالماً خاصاً ربطني بالكمبيوتر إلى هذا الوقت.

استعدت كل هذه الذكريات وانا أقلب بقايا مخزن العائلة في إحدى زياراتي هناك، لفت انتباهي ذلك الجهاز الأبيض قابعاً في زاوية مهملة، رميته بنظرة مملوءة بالراحة والامتنان ولفترة فكرت أن أحمله معي، ولكن الزمن غير الزمن .. مرت أيام شهد فيها عالم الكمبيوتر تحولات جذرية، في الجهزة والعتاد وحتى طريقة التعامل… وقفت أمامه اليوم وقد تعاملت من بعده مع ما يزيد على 10 اجهزة كمبيوتر اقلهم يفوق صخر بما تفوق به سيارة المرسيدس أخواتها من السيارات الكورية القديمة … ولكن لم استطع المضي قدماً .. وبلا شعور وثبت إلى زاويته، أزلت ما تراكم عليه من غبار السنين وحملته، وحملت معي تساؤلات عن حالته وهل سيعمل أم لا .. واذا عمل ماذا سيقدم لي؟ ..

سرت رعشة غامضة في جسدي مع فتح زر التشغيل، بدأ كعادته بشاشته الزرقاء التي تبين نسخة البرنامج المخزن بداخله، ثم اعقبتها شاشة أخرى بنفس اللون تشير إلى شركة العالمية والشركة الداعمة لعمليات البرمجة وهي “مايكروسوفت” .. انتقل بعدها إلى بقية الشاشات التي ألفتها منذ ما يزيد على 20 عاماً .. فا هو التقويم، وهنا بدأت أرسم علم الدولة، وكتبت بعض الجمل الانكليزية وتذكرت كم كنت أعاني في الكتابة والآن أكتب بأريحية وسرعة كبيرة … تغير الزمن وتغير العمر وتغيرت المهارات .. وبقي صخر . معلمي الأول ومفتاحي الأول في عالم الكمبيوتر ..

هذه التجربة غيرت مصير صخر من سلة القمامة التي كنت انوي رميه فيها إلى جزء مخصص في مكتبتي المنزلية ..
لقد أسعدني أنه مازال يعمل كعادته، بنفس نشاطه وحيويته وبساطته، ولكنه لا يستطيع أن يفيدني بشيء إلا الشعور الطيب بوجوده هناك ..

وبقي صخر كما كان يردد في ذلك الإعلان التجاري .. ويبقى صخر ..