أرشيف التصنيف: صناعة السينما

فتاة السينما


بينما كنت أنتظر دوري للحصول على فطيرة الكريب بجبنة التشيدر، رأيت أن أناقش جميلة في جوائز حفل الأوسكار، وبأسلوب فكاهي سألتها: مبرووك فوز كيت وينسلت بجائزة الأوسكار، متوقعاً منها رداً يليق بعاملة في مجال السينما..
ولكن للأسف كان ردها صادماً لي ومثيراً للسخرية في نفس الوقت، وبلهجة إنجليزية-فلبينية أو إنجلو-فلبينية: “آي دونت نو سير” .. سألتها باستغراب: دونت نو وات ؟ّ!!
أجابت بعفوية تامة: أنا لا أعرف كيت ونسلت ؟؟!!

طيب.. قلت أكلمها عن حفل الأوسكار بشكل عام، ما رأيك بتقديم الحفل وعروضه، وهل تأثرت بوفاة “هيث ليدجر” الحائز على جائزة الأوسكار لأفضل ممثل مساعد؟! وهل برأيك أن براد بيت وانجلينا جولي قد خاب ظنهما بالنتيجة وبلجنة التحكيم؟ّ! وكان الجواب لكل سؤال هو: ” آي دونت نو سير ” مع ابتسامة خجولة منها أسفاً على عدم مجاراتي في هذا الحديث السينيمائي.

جميلة فتاة فلبينية في بداية العشرينات، تعمل في إحدى دور السينما في دبي، وقد ألفت وجودها في ردهة المطعم حيث تقوم بنشاط بتلبية طلبات مرتادي السينما. وهي دائمة الابتسام، وتقوم بدورها على أكمل وجه وغالباً ما تنخرط في أحاديث بسيطة مع الناس حتى لا يشعرون بالانزعاج من تأخر طلباتهم. ومن هذا الباب وجدت الحديث عن جوائز الأوسكار حواراً مثالياً معها كونها تعمل في نفس المجال. وتوقعت أن أن تسرد لي قصصاً عن الأوسكار لم أسمعها من مراسلي القنوات والمجلات الفنية أو من كبار مقدمي برامج التوك شو مثل أوبرا وينفري وباربارا ولترز!! ولكن كل هذا لم يحدث فخرجت من هذا الحوار بصحن الكريب بالتشيدر مع عصير “سنابلس” ودخلت لمشاهدة فيلم “بنجامين بوتون” حاملاً معي تساؤلات بريئة عن جهل المدعوة جميلة بمجال عملها !!

بعد انتهاء الفيلم سألتها باهتمام بالغ: هل أنت سعيدة بما تعملين؟ وبخجل ممزوج بالمرارة قالت: لا
– لماذا ؟ وعلمت منها أنها تعمل في نظام الورديات “الشفت” وتتقاضى راتباً أقل بكثير مما توقعته قياساً بطبيعة عملها. وأضافت: بين فترة تعطينا الإدارة تذكرة مجانية لدخول الأفلام ولكني لاأستطيع ذلك لأني لا أحب السينما ودخلت مرة واحدة لمشاهدة فيلم فاستمتعت بأحسن ساعة نوم في حياتي !!

يومها عرفت أن قصة جميلة هي قصة الأغلبية العظمى من الموظفين في كل القطاعات وفي كل المجالات، وسألت نفسي وما هو الحل؟ كيف يستطيع إنسان أن يمضي عمره في شيء لا يستمتع به؟ وكلنا نعرف الجواب .. الحاجة إلى المال لإعالة الأسرة، وتسديد قسط السيارة والبيت ودفع تكاليف رحلات الشتاء والصيف والصرف على ستايل الحياة والبريستيج !! ورغم أنه وللوهلة الأولى لا يبدو على جميلة أنها تملك أو تصرف على كل ما ذكرت ولكن لا بد من وجود مصاريفها الخاصة التي تحتاج معها للعمل والعمل ثم العمل.

جميلة ما هو طموحك – سألتها باهتمام – ولم يتأخر جوابها حيث قالت أنها تريد أن تكمل دراستها الجامعية في مجال إدارة الأعمال ثم تقوم بمشروعها الخاص بإدارة النفايات في بلدها. حسناً رغم أن هذا الجواب لم يرق لي كثيراً حيث توقعت منها أن تتكلم عن المشاريع الدارجة في عقول الآلاف من الحالمين الذين لا يفارقون سرير النوم حتى لايفقدوا لذة الحلم.. وبذلك يستمر حلمهم إلى ما شاء الله .. وفي النهاية لا يكون هناك مشروع وإنما حلم جميل تتفرع منه أحلام جميلة تتفرع منها أحلام أشد سحراً وجمالاً.. ولكنها لا تفارق الفراش أبداً !!

أتمنى أن تحقق جميلة طموحاتها وتستمتع بعملها الجديد في عالم النفايات وأتمنى للجميع ان يحققوا أحلامهم، وأتمنى أن لا تزعل علينا كيت ونسلت لأن جميلة عاملة السينما لم تتعرف عليها أوعلى على هيث ليدجر حياً أوميتاً .