خواطر عن أفلام الكرتون في الثمانينات

حب الكرتون جعلني وأبناء جيلي من المتتبعين لكل ما كان يبث في جميع القنوات باختلاف أنواعها (رغم قلّتها) ولذلك كنا نكره فترات الانتظار ما بين افتتاح البث بدأ بالسلام الوطني ثم تلاوة القرآن الكريم ثم التفسير، حيث كان الانتظار طويلاً (أو هكذا كنا نراه) إلى أن ياتي وقت عالم الإبداع .. عالم يموج بالمرح والألوان الصارخة والأصوات المتناغمة حيناً والصارخة أحياناً .. تنقل لنا مشاهدات متنوعة للحياة .. بعضها واقعي وأكثرها خيالي ولا يخلو من المعلومات والمعرفة.. بدءاً بتوم وجيري.

كانت هذه العوالم ومازالت ترافقنا.. مع لعبنا اليومي ومع اختياراتنا لأسماء العابنا ومع تكوين فرقنا الكروية الصغيرة التي كانت تتنافس على كأس نحاسية لا يتجاوز ثمنها ٢٥ درهماً أو بلا كأس أحياناً .. وللعجب فإن هذه العوالم عبرت معنا مرحلة الطفولة ونضجت معنا وشاركتنا في تسمية أطفالنا أحياناً. ولا أظن أنها تُنسى حتى لو بلغنا أرذل العمر بعد عمر طويل!! هل يوجد من ذلك الجيل أحد لا يعرف عدنان ولينا؟ السنافر وشرشبيل؟ حكايات عالمية؟ توم سوير؟ هايدي؟ فلونة؟ ليدي أوسكار؟ الرجل الحديدي؟ وغيرها.

حسناً .. فما زال شعور الاحتفاء هو هو رغم الحقيقة المرة التي وعيت عليها لاحقاً.. فقد كنت أعتقد أن هذه العوالم عربية خالصة .. حتى أنني كنت أتسائل في أي دولة نجد أراض خضراء شاسعة مثل ما نراه في هايدي فصحراؤنا لا تكاد ترى فيها إلا النخل والسدر والغاف وحيوانات بائسة صقلها هجير الصحراء وجفافها وخنقتها الرطوبة في المناطق الساحلية!! ..

ولكن إصراري على أن هذا المنظر عربي يقودني إلى الاعتقاد بأن هايدي في الشام وفلونة في المغرب على ضفاف الأطلسي وعدنان في العراق وغيرهم في مصر أو أي دولة عربية لم تطأها قدماي من قبل!! وفوق ذلك كله كانت المعلومات عن الدول الغربية شحيحة جداً ولا نسمع عنها غالباً إلا في بطولة كأس العالم التي كانت تنقل مجاناً كل أربع سنوات والتي لولاها لما عرفنا البرازيل والأرجنتين والمجر والأوروغواي والمكسيك وغيرها.

جاءت الصدمة أو المفاجأة الغير سارة، في الأوقات التي يخرج فيها (الطفل) الذي في داخلي ليأخذ مساحته من الاهتمام والمتعة والشقاوة وما أكثر هذه المساحة في أغلب الأحيانّ!!. وحمداً لله أن في عالم الإنترنت أبناء حلال مثل (يوتيوب) الذي أعتقد أنه يضم أكثر من 90% مما أنتجه البشر من فيديو!! وهذا ما يجعله المصدر الأول لإعادة الذكريات التي طواها أكثر من ربع قرن. وفي إحدى المشاهدات لحلقات من “حكايات عالمية” خطر ببالي أن أبحث عن أصول بعض القصص والشخصيات التي أحببناها، وتعلمنا منها حتى اللغة العربية الفصيحة بطريقة تفوق بمراحل ما تعلمناه من المدرسة في موضوع القراءة العربية. وجاءت النتيجة بعد مساعدة لا بأس بها من أصدقائي من جمهوريتي تويتر وفيس بوك. حيث كانت القصص من أعمال كتاب وفنانين يابانيين، وأوروبين، وبالطبع أمريكيين، فعلى سبيل المثال عدنان ولينا (اليابان)، السنافر (بلجيكا)، افتح يا سمسم (أمريكا) ..

وبعيداً عن نظريات الغزو الثقافي، والماسونية، والصهيونية العالمية فنحن ببساطة كنا ولا زلنا نستمتع بالكرتون، ونأخذ منه الجانب الإيجابي.. المتعة، اللغة العربية الفصحى التي لم نكن نتعلمها بهذا الكم في المدارس، التفكير الإبداعي، إطلاق بذرة المعرفة وهي التساؤل، وبعضنا أحب رسم الكرتون وأبدع في مجاله ، والبعض أنتج أفلاماً كرتونية مرتبطة بالمجتمع ويومياته. والكرتون مستمر في الإبهار مهما كان أصله وفصله. ومؤخراً لاحظت ذلك في أفلام ديزني التي تاتي بلغات لم أسمع بها من قبل.

أعترف بأن المحاضرات والنشرات التوعوية عن خطر التلفزيون والرسوم المتحركة لم تكن تؤثر في إيماني بروعة الرسوم وقدرتها على التأثير. وأذكر ان أحد المدرسين الأفاضل كان يقول أن توم وجيري هو مؤامرة أمريكية للصراع بين العرب وأمريكا حيث يمثل العرب توم القط الغبي والفاشل رغم كبر حجمه مقابل جيري الذكي وسريع البديهة والذي يمثل أمريكا!! ومن يومها كنت أتساءل لماذا خصصت أمريكا مؤامراتها للعرب وتركت الكوريين والهنود والصينيين والمالاويين وبقية طوائف الإنس والجن على هذه الكرة الأرضية!!

إذا فاتك معرفة من يقف خلف برامج الكرتونية المفضلة، فعليك بجوجل وويكيبيديا، لتتعرف على شخصيات مثل فلاح هاشم، سناء التكمجي، عصمت محمود، علي المفيدي، عبدالناصر الزاير، وغيرهم وغيرهم.

وإذا فاتتك أيام الطفولة وظننت نفسك بعيداً عن ذلك العالم الممتع فكل ما عليك هو إطلاق الطفل الذي يسكن بداخلك، حتماً ستجده هناك ينتظر أن يجد له مكاناً في عالم المسؤوليات والهموم والجري المحموم خلف السراب.